الشيخ السبحاني

103

فتنة التكفير ، جذورها وآثارها في المجتمع

زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق ، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال ، في ذلك العصر الأوّل : حفظت من رسول الله ( ص ) وعاءين ، أمّا أحدهما فبثثته في الناس ، وأمّا الآخر فلو أبثّه لقطع هذا البلعوم . « 1 » قلت : إنّ هذا ليس أمراً مبتدعاً ، فقد عمل به أربعة وعشرون محدِّثاً في مقابل السلطان الجائر المسلم ، أعني : المأمون ، وقد نقل تفصيل القصة الطبري في تاريخه ، قال : جاءت رسالة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم فأحضر لفيفاً من المحدِّثين والذين يربو عددهم على ستة وعشرين محدّثاً فقرأ عليهم رسالة المأمون مرّتين حتّى فهموها ، ثم سأل كلّ واحد منهم عن رأيه في خلق القرآن ، وقد كانت عقيدة المحدّثين بأنّ القرآن غير مخلوق أو غير حادث ، فلمّا شعروا بالخطر وقرئت عليهم رسالة المأمون ثانياً وأمره بالتضييق عليهم وأن توثق أيديهم ويرسلوا إليه ، أجاب القوم الممتنعون كلّهم وقالوا بخلق القرآن إلّا أربعة منهم : أحمد بن حنبل ، وسجّادة ، والقواريري ، ومحمد بن نوح ؛ فلمّا كان من الغد أظهر سجّادة الموافقة وقال بأنّ القرآن مخلوق وخلّي سبيله ، ثم تبعه بعد غد القواريري وقال بأن القرآن مخلوق ، فخلّي سبيله ، وبقي أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح ، وللقصة تكملة ذكرناها بتفاصيلها في كتابنا بحوث في الملل والنحل ، فلاحظ . « 2 » 5 . تكفير الصحابة سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ « 3 » إنّ تكفير الصحابة من الافتراءات الّتي تشهد الضرورة ببطلانها ، كيف ؟ وثمّة طائفة من الصحابة هم من روّاد التشيّع ، ثم كيف ؟ وهذا إمامهم ( الّذي يقتدون به ويقتفون أثره ) ، بل إمام المسلمين عامّة ، أعني : علي بن أبي طالب ( ع ) يقول في حق الصحابة : « أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ؟ وَأَيْنَ ذُوالشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ !

--> ( 1 ) . ابن الوزير ، إيثار الحقّ على الخلق ، ص 141 - 142 . ( 2 ) . السبحاني ، بحوث في الملل والنحل ، ج 3 ، ص 605 - 614 . ( 3 ) . النور ، آية 16 .